يفترض بالتاريخ كمنهج أن يكون تفاعلاً بين الوعي, والوعي التجريبي, هذا ما تفتقده القوى الاجتماعية ومجمل الجماهير الشعبية في قراءة المشهد السياسي، فافتقادها للوعي الطبقي بمصالحها, يغيب من ساحة العمل النقابي والنشاط الاجتماعي للقوى السياسية, والجماهير في العادة لا تستطيع استقراء المصالح الطبقية والسياسية التي تختبئ خلف الخطابات الشعبية التي يلقيها رجال السياسية على مسامعهم فيسهل التلاعب بهم, وبهذا يتحرك كثيرون في اتجاهات متعاكسة مع تقابل مصالحهم الطبقية والاجتماعية في إحدى الطرق المرسومة للقوى السياسية التي قد تقف خلفها هذه الجماهير.
من أمثلة غياب الوعي الطبقي بمصالح الجماهير, مظاهرات تنادي هذه الأيام بترشح أحمد علي نجل الرئيس السابق لمنصب الرئاسة, وهنا لا بد من إظهار نقاط معينة تدور حول غياب الوعي الطبقي للجماهير وخطورة المناداة بمثل هذه المطالب في الوقت الراهن, كما يجب أن يتم استيضاح نقاط كثيرة تدور في فلك مرحلة المبادرة الخليجية وما تبعها من توترات سياسية وانهيار أمني وتهافت أصاب كل مفاصل الدولة بتوصيف دقيق لتصحيح وعي الناس بحقيقتها.
إن نجل الرئيس السابق يتربع الآن على عرش القوة السياسية نفسها التي حملت والده, وليس الإشكال هنا فهذا منطقي بالعودة لتجارب التوريث التاريخية ,و التساؤل الحقيقي هنا: ما هي المصالح الطبقية والاجتماعية التي قد يُعنى نجل الرئيس السابق بحمايتها؟؟؟.
بالتأكيد هي المصالح الطبقية نفسها التي كان يقف خلفها والده طوال الثلاثين عاماً الماضية وما يزيد, وهي مصالح طبقية لم تعد مناسبة لحركة تطور المجتمع المتأثر بمجمل التناقضات التي أفرزها النظام طوال الفترة الزمنية السابقة, فانطلاق ثورة الـ11 من فبراير لم تكن محض صدفة أو بختاً, هي نتيجة طبيعية لتراكم المشاكل والصراعات التي افرزها النظام بسبب تراكم المصالح ومحاولة الحفاظ على علاقات توزيع الثروة في البلاد, ويخطئ الكثيرون حين يقرؤون هذه الثورة على أنها مؤامرة خارجية منظمة, ولكن الحقيقية أن الخارج يتأثر ويؤثر على ما يجري في اليمن, لذلك يصبح جزءاً لا بد من قراءته في المشهد ولا يمكن إغفاله.
إن ثورة فبراير, أضحت نصف ثورة بفعل المبادرة الخليجية, وهنا يتجلى شكل التدخل الخارجي بأسمى صورة في مجرى سير الأحداث, بنقل مجريات المعترك السياسي من ميدانه المستحدث بفعل الثورة (ساحات الحرية والتغيير وميادينها) إلى داخل الجهاز المركزي للدولة الذي حول هذا الجهاز وأدواته لأدوات صراع سياسي خرجت من خط سير عملها المفترض, وفقدت دورها في تقديم خدمات اجتماعية معينة, وهذا ما سبب كل التدهور السريع الذي ضرب جهاز الدولة والوضع الاقتصادي بالمجمل وليس فساد القوى السياسية أو وسمها بالفساد المكثف, وهنا لا ننكر وجود الفساد بالمجمل لكنه لم يكن أبداً السبب الرئيس لكل هذا.
إن الدولة التي أنتجها النظام السابق في الحقيقة, شكل صريح للدولة الشكلية الجوفاء, الفارغة من محتواها, ويأتي هذا الفراغ الموجود داخل الدولة, من الدولة الباطنة بداخلها والتي كانت تمثل طبقة الحكم السياسية بتنوع أشكالها العسكرية والدينية والقبلية, وهذا النظام المتشابك من العلاقات الاقتصادية هو الذي خدم مصلحة تلك الطبقة الحاكمة طوال الفترة التي مرت أمام أعيننا.
تلك الطبقة التي يجلس على رأسها الآن نجل الرئيس السابق صالح, وبإعادة علاقاتها ونفوذها للأرض تصطدم مع مجرى سير التاريخ الاجتماعي وتطور حركته في اليمن, بل إنها ضرب من الجنون وليست هنا المشكلة التي تتحدث عنها شخصية أبداً، فالمشكلة لا تدور حول الأشخاص بل حول النظام الاجتماعي والعلاقات الاقتصادية التي يمثلها هذا الشخص, فليس هناك إشكال حقيقي أن يترشح أي مواطن يمني لمنصب الرئاسة, ولكن بعد أن يتم تغيير البنية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد، فتصبح العملية الديمقراطية هنا ديمقراطية حقيقية وليست ديمقراطية على طريقة نظام الثلاثة والثلاثين عاماً التي مضت.
عندما نتمكن من بناء جهاز دولة مؤسسي لا يسمح بسيطرة طرف معين على مجمل المصالح الطبقية والاجتماعية, يمكننا ترشيح من نريد ولكن أن نرشح نجل الرئيس السابق ونعيده لكرسي الحكم بدون إحداث أي تغيير اجتماعي أو سياسي في البلاد, نحن نستخف بكل الدماء التي سالت وبالتاريخ وبالتطور الاجتماعي المفترض في خط سير البلد, نحن نجرد كل الأشياء من قيمتها لو قبلنا بمثل هكذا منطق.
لقد وصلنا لمرحلة تحتم علينا تغيير الواقع الاجتماعي المعاش بآخر يحمل علاقاته الاقتصادية, ويستوجب إعادة توزيع الثروات على ضوئه, في استهداف مباشر لمجمل علاقات الإنتاج الاجتماعي, وحين لا نستهدف هذه العلاقات بعملية التغيير ونحاول الإبقاء عليها, نحن بدون إدراك نقوم بإعادة إنتاج النظام نفسه ونزيد تراكم تناقضاته التي ستنفجر مجدداً, ولو بأدوات جديدة. إن إحداث التغيير الاجتماعي وتفعيل العملية السياسية الديمقراطية الحقيقية, هو ما سيجعلنا نقبل بأي خيرات يمكن ان ترفعوها سواء كان نجل الرئيس أو نجل الشيخ أو نجل الإمام ليس عندنا هكذا مع أي كان أي إشكال.