طباعة

المسألة الوطنية ... وتعز ما بعد الحرب !!

الثلاثاء, 01 كانون1/ديسمبر 2015 18:17 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

تعز ما بعد الحرب بالتأكيد لن تكون ما قبلها ، تماما مثل الحالة الجيو سياسية، التي ستنشأ  في اليمن شماله والجنوب، بعد ان تضع الحرب اثقالها ونتحسس، جميعنا، في الاذهان والقلوب خطاياها . فخصوصية تعز كمحافظة، بموقعها الجغرافي وكثافتها السكانية، ووضعها الاستثنائي (كمنطقة وعي ومهن وتجارة وصناعة وادارة)، ستجعل من أي تسوية سياسية في المستقبل ناقصة ،دون ان تكون تعز حاضرة فيها كفاعل، وفي العمق  من بنية المسألة الوطنية، التي تعرضت على مدى قرن كامل للتجريف، حتى تحولت الى جرح ينز مع كل اعتلال  في جسد البلاد.

منذ وقت مبكر، شكلت تعز المعادل الصعب، في المسألة الوطنية اليمنية، بمكونيها المناطقي  والمذهبي، فهي مركز اليمن (الاسفل)، وعمقه الشافعي (السني)، مقابل اليمن الاعلى ، بتغوله المركزي للحكم والسيطرة وغلبة المذهب  ـ   الاسفل والاعلى في هذا التوصيف ، نتعاطى معه من زاوية الجغرافي، وليس التراتبي ، وان كان الاخير قد اخذ في الوعي الشعبي هذا المنحى المعتم ـ

منذ خروج الاتراك من اليمن ،بعد هزيمتهم في الحرب العالمية الاولى ، تم اخضاع تعز ،مع سائر اليمن الاسفل،  سياسياً ـ ببواطن عسكرية واضحة، لصالح السلطة الناشئة في صنعاء، حين فرض الامام يحي سلطاته الكاملة عليها ،باستمالة مشائخها ووجهاتها اولا بوظائف ادارية  ومواقع قيادية، قبل ان تتم ازاحتهم نهائياً ، بتولي ابن الوزير  امر حكمها، حتى ما بعد الحرب اليمنية السعودية، منتصف الثلاثينيات، حين اتخذها ولي العهد احمد مستقراً وعاصمة ادارية، بعد ثورة الدستوريين عام 1948ـ ليس حباً فيها وبغضاً في العاصمة صنعاء ،التي اغتيل فيها ابوه الطاعن، كما روج ، وانما لقربها من عدن، التي غدت حاضنة الاحرار المعارضين لحكمه ـ

 كل هذه القضايا، شكلت الهتك الصريح للمسألة الوطنية، ليتعاظم ، مع مرور الوقت ،شعور ابنائها بالتمايز الذي تفرضه سلطة  غاشمة، تتحكم بمصائر الجميع، دون ان تتشارك مع احد. سلطة عززت حضور (اليمن الاعلى) كمستفيد اوحد من هذا الوضع الاعرج، فمقابل  الامام والسيد والعسكري، ثمة رعوي وفلاح ومهاجر وعامل ،يُعتاش من كدهم وشقائهم ، لهذا حين قامت ثورة سبتمبر 1962 ،كان هؤلاء وابناؤهم من دافع عنها وحماها، لأنها مثلت للجميع  الفرصة التاريخية الناجزة، لصياغة دولة المواطنة، على قاعدة التشارك، والمساوة .غير ان هذا الحلم سيتبدد، بعد وقت قصير حين تكشف للجميع ان الازاحات المتعاقبة للخط الجمهوري وطاقته الشابة، التي كانت احداث اغسطس  1968، التعبير الواضح عنها  ، كانت بغرض اعادة ترتيب السلطة داخل بنيتها الطائفية الصلبة، وان تجملت ببعض رموز التيار المشيخي وبعض من سياسيي وعسكر اليمن الاسفل ، والذين عبروا عن ذواتهم وانتماءاتهم بواسطة حركة الخامس من نوفمبر  1967م.

وخلال اربعة عقود عانت تعز من التهميش الفج ، والتدمير الممنهج لحوامل التغيير، التي كان باستطاعتها ممارسته داخل  بنية المجتمع بأدوات مدنية ، فعمل النظام على تحويل  تعز (كمحافظة ومدينة)الى بيئة طاردة لأبنائها ، ليشتتوا في كل الجغرافيا اليمنية ، كمعلمين وموظفين ومهنيين ورجال اعمال ، يبنون ويعمرون ويعصرنون، حتى اصبح معظم هؤلاء مرتبطين بمستقراتهم الجديدة ، ومؤثرين فيها اكثر  من مساقط رؤوسهم .

ولم يكتف  نظام الحكم بذلك، بل عمد الى تعظيم نزعة الكراهية في اوساط ابناء المناطق الاخرى، ضد ابناء تعز ، بوصفهم مُستعمرين مبطنين لمناطق غيرهم ،وسببهم تعس المجتمع برمته!!

حتى انهم غرسوا في اذهان البسطاء ان سبب الكارثة، التي نعيشها الان، هو (ثورة فبراير 2011) التي كانت تعز حاضنتها، ورافعة التغيير الكبرى فيها!!.

وحين سُرقت ثورة فبراير بالصفقة المشبوهة (المبادرة)،التي ابقت النظام حاضرا، صعد شباب تعز في مسيرتهم الراجلة الى صنعاء، للتعبير عن غضبهم، فقوبلت (مسيرة الحياة) برصاص الحرس الجمهوري واسلحة البلاطجة، في مدخل صنعاء الجنوبي .

وحين تشكل حلف الحرب الداخلي ( من البنية الصلبة للنظام الطائفي الحاكم ) لإعادة تطويع المدن والسكان  والثروات، ، واخضاعها مجتمعة للمركز المقدس قالت تعز لا، فعوقبت بالقتل والتدمير والحصار المميت . لان خروج تعز عن  وصاية المركز واستبداده، سوف ينتج صيغة اخرى لمعادلة الحكم ومشغلاتها السياسية، لصالح القوى والجغرافيات المستبعدة والمستضعفة.

لهذا لا يستغرب ان يحشد المتحاربون، كل امكانياتهما لمعركة تعز، التي ستحدد الطرف الفاعل والممسك بكل الخيوط ، قبل الذهاب الى جنيف 2، وما بعد جنيف، حين يسوى الملعب للتسويات القادمة.

تعز اخر متاريس تحالف الحرب الداخلي، لأنها في حرب (الاسترداد) المقدسة، تمثل المرموز الاهم في  حضور (الجمهورية العربية اليمنية) ، التي يراد استحضارها في تسوية، يدفع بها الطرف الداخلي كأمر واقع، من باب  عصفور في اليد ، لان المشروع الوطني الكبير غير حاضر في ذهن هذا الطرف ، والحاضر في ذهنه فقط سلطة حكم ـ  أي كانت ـ وعلى أي جغرافيا، على حساب وطن مجزأ . و الا ما معنى الاستماتة على الحدود الشطرية السابقة ؟!.

 وهي بالنسبة لتحالف الحرب الخارجي، المرتكز الاهم في مسألة الحسم العسكري وتالياً السياسي . حتى من باب القراءات، الاكثر تشويشاً ،التي تتأسس على فكرة ترتيب الدولتين ، لما بعد الحرب . لان الجنوب المحرر غير مؤمن بدون تعز، اذا مضى مشروع الانفصال ،كما يتشهاه  الصوت المرتفع في الحراك، في ظرف الارباك هذا !!

ولأنها ايضا لا يمكن ان تكون بذات الوضع لما قبل الحرب، كون ذلك سيشير وبوضوح الى فشل عمل التحالف العسكري والسياسي ، الذي يهدف ـ ضمن اهدافه المتعددة  ـ خلق حالة من توازن (القوة والقرار) بين شمال الهضبة وجنوبها، في اطار الترتيبات المستقبلية لبلاد لن تعود لما قبل مارس 2015، ولمحافظة لن تكون تلك التي حضرت في ملفات صانعي القرار، على مدى عقود طويلة اسمها تعز.

 

 

 

 

 

قراءة 8050 مرات

من أحدث محمد عبد الوهاب الشيباني